فخر الدين الرازي
139
تفسير الرازي
العجيب باطلا ، وفي كلمة * ( هذا ) * ضرب من التعظيم كقوله : * ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) * ( الإسراء : 9 ) . المسألة الثالثة : في نصب قوله * ( باطلا ) * وجوه : الأول : أنه نعت لمصدر محذوف أي خلقا باطلا . الثاني : أنه بنزع الخافض تقديره : بالباطل أو للباطل . الثالث : قال صاحب " الكشاف " : يجوز أن يكون " باطلا " حالا من " هذا " . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما يفعله لغرض الاحسان إلى البعيد البعيد ولأجل الحكمة ، والمراد منها رعاية مصالح العباد ، واحتجوا عليه بهذه الآية لأنه تعالى لو لم يخلق السماوات والأرض لغرض لكان قد خلقها باطلا ، وذلك ضد هذه الآية قالوا : وظهر بهذه الآية أن الذي تقوله المجبرة : ان الله تعالى أراد بخلق السماوات والأرض صدور الظلم والباطل من أكثر عباده وليكفروا بخالقها ، وذلك رد لهذه الآية ، قالوا : وقوله : * ( سبحانك ) * تنزيه له عن خلقه لهما باطلا ، وعن كل قبيح ، وذكر الواحدي كلاما يصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة فقال : الباطل عبارة عن الزائل الذاهب الذي لا يكون له قوة ولا صلابة ولا بقاء ، وخلق السماوات والأرض خلق متقن محكم ، ألا ترى إلى قوله : * ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ) * ( الملك : 3 ) وقال : * ( وبنينا فوقكم سبعاً شدادا ) * ( النبأ : 12 ) فكان المراد من قوله : * ( ربنا ما خلقت هذا باطلا ) * هذا المعنى ، لا ما ذكره المعتزلة . فان قيل : هذا الوجه مدفوع بوجوه : الأول : لو كان المراد بالباطل الرخو المتلاشي لكان قوله : * ( سبحانك ) * تنزيها له عن أن يخلق مثل هذا الخلق ، ومعلوم أن ذلك باطل . الثاني : أنه إنما يحسن وصل قوله : * ( فقنا عذاب النار ) * به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه لأن التقدير : ما خلقته باطلا بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة ، وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك ، فقنا عذاب النار ، لأنه جزاء من عصي ولم يطع ، فثبت أنا إذا فسرنا قوله : * ( وما خلقت هذا باطلا ) * بما ذكرنا حسن هذا النظم ، أما إذا فسرناه بأنك خلقته محكما شديد التركيب لم يحسن هذا النظم . الثالث : أنه تعالى ذكر هذا في آية أخرى فقال : * ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا ) * وقال في آية أخرى : * ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ) * ( الدخان : 38 - 39 ) وقال في آية أخرى : * ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً إلى ) * ( المؤمنون : 115 ) قوله : * ( فتعالى الله الملك الحق ) * ( المؤمنون : 116 ) أي فتعالى الملك الحق عن أن يكون فعله عباث ، وإذا امتنع أن يكون عبثا فبأن يمتنع كونه باطلا أولى . والجواب : اعلم أن بديهة العقل شاهدة بأن الموجود إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، وشاهده